الساحة - قسم المتابعة

بروح طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، تقف وقلبها يقفز حماسًا وفرحًا في حفل تخرجها؛ بروب التخرج الذي يكسوه الأزرق، وبالقبعة التي تخفي قليلًا من شعرها المتناثر. تطير كفراشة يدق قلبها بقوة، توزع الضحكات على الحضور، وتلتقط الصور التذكارية مع عائلتها وأصدقائها. بكت في أحضان والدها في هذا اليوم كأنها لم تبكِ من قبل، دموع فرحتها غلبتها، ودموع فخر أبيها بابنته الكبرى المدللة غلبته.

مروة أوغلو، أول مهندسة طيران فلسطينية. تخرجت من جامعة المؤسسة التركية للطيران في أنقرة، يغريها منظر الطائرات التي تجوب في سماء الله بين الغيوم، وهي التي اختارت الهندسة عن شغف واقتناع تام. مروة تحب اقتناء مجسمات الزينة على شكل طائرة وتزين غرفتها بها، ولكن أخاها الأصغر؛ منافسها الدائم في حب الطائرات والذي يطمح أن يطير بين الغيوم الملبدة ليرى السماء عن قرب، يخطف كل ما تراه عينه في غرفة شقيقته من طائرات بحجم اليد، ويتعاركان.

عربيةٌ ركيكة

المهندسة فلسطينية المولد تنقلت في طفولتها بين تركيا وفلسطين؛ مما أسهم في ضعف لغتها العربية. تقول بعربية ركيكة: “لقد تسبّب تنقلي المتواصل بين غزة وتركيا في عدم تمكّني من اللغة العربية، لم أستطع تعلم أكثر من لغة في ذات الوقت، كنت طفلة صغيرة جدًا وقتها؛ آتي إلى فلسطين فأبدأ تعلم الحروف العربية، ثم بعد فترة وجيزة أنتقل للعيش في تركيا فأنسى ما تعلمته”.

والدة مروة، تركية الأصل، كانت حلقة الوصل بيني وبين مروة لتترجم لها بعضًا من أسئلتي التي يصعب على مروة فهمها، في حديثنا الذي كانت تستخدم فيه مهندستنا بعض الكلمات التركية حين تعجز عن التعبير بالعربية، تحدثت عن الفجوة التي حدثت في بداية دراستها في المدارس التركية.

مروة التي تتقن الإنجليزية تضيف: “كثيرًا ما كنت أتعرض للتوبيخ من قبل المدرسين حين يسأل أحدهم سؤالًا باللغة التركية فلا أفهم ما يقولونه، وأشعر بالرهبة في كل مرة يأتيني سؤال مفاجئ بلغة لا أفهمها”.

بالرغم من كل ما حدث لمروة الطفلة من صعوبات دراسية وتوبيخ المدرسين، وصعوبة في الاندماج في المجتمع التركي؛ إلا أنها استطاعت بدعم عائلتها تخطي كل الصعاب. تلقت تعليمها باللغة الإنجليزية وتمكنت من اجتياز الجامعة بنجاح، والتخرج منها كأول مهندسة طيران فلسطينية.

ندوبُ القلب

اللحظات المريرة والموجعة لا تُنسى أبدًا، تظل عالقة في القلب. ومهما تخطينا من سنوات تبقى الذكرى تراودك، فلا تنسى شعور الخوف الذي غزا قلبك حينها، كل المشاهد والأصوات والرائحة، يظل كل شيء عالقًا بك. حين حصل العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2008 كانت مروة ابنة الثامنة في زيارة عائلية لبيت جدها.

تقول: “لم أنس أبدًا هذه الحرب، أذكر حين كانت والدتي تضع فوقي أنا وأخي الأصغر الكثير من الأغطية لعلها تحمينا، والخوف يسيطر عليها وعلينا. وبعدما قرعت طبول الحرب تواصلت والدتي مع وزارة الخارجية التركية باعتبارها مواطنة تركية، لنخرج من غزة بأمان. وبالفعل عدنا إلى تركيا مجدداً، وكانت تلك آخر زيارة قمنا بها لغزة”.

فحين سمعوا صوت الطائرات لأول مرة في تركيا، انتفض الصغار وهبطت قلوبهم، تقول مروة لـ “بنفسج”: “سمعنا مرة أنا وأخي الصغير صوت الطائرات عالياً جدًا، فقال لي عبد الله لقد جاء اليهود هيا لنختبئ، فاختبأنا تحت سيارة وعيوننا مغلقة من شدة خوفنا، وعلى الرغم من محاولات جدتنا إقناعنا أن هذا عيد للأطفال والطائرات تحلق فيه لتبهج قلوب الصغار، لم نقتنع ولم نخرج من مكان الاختباء حتى جاءت والدتي وأخرجتنا”.

حلمها كان طب الأسنان، لكنها أصبحت تخاف الدماء. اختارت الطائرات على الرغم من حادثة طفولتها تلك. لم تختر مروة وحدها أن تدخل عالم الطائرات، بل كان أخوها الأصغر عبدالله يشاركها هذا الشغف، فقرر أن يدرس الطيران بالتزامن مع دراسته للحقوق.

تعرفت على الطائرات عن قرب خلال فترة دراستها، نظرت لكل جزء فيها بشغف، تلاشى خوفها من أزيزها، لمست الأجنحة والمحرك والعجلات والقلاب والذيل، تفحصت جيدًا كل شيء، وأضحت الطائرة مسكنها وملجأها.

حبُّ العائلة

جيشها وقوتها وأملها يكمنون في العائلة، والدتها لم تنفك يومًا عن دعمها، كلما ترنحت في الدنيا سندتها. وتذكر يوم أن قالت لوالدها أثناء دراستها الجامعية: “لا أستطيع المواصلة”، دعمها بكل ما أوتي من حبٍ، فواصلت لأجله ولأجل أن يفتخر بها بين الناس، “هذه ابنتي”.

حين سألتها هل تعرف الأكلات الفلسطينية؟ ضحكت بخفة وأجابت كأنها قضت عمرها كله في المطابخ الفلسطينية: “والدتي تطهو كل الأكلات الفلسطينية كالمقلوبة والفلافل ببراعة، كما أن لوالدي مطعماً في اسطنبول اسمه “فلافل غزة”.

الفلسطينية التركية لا حدود لطموحها، وتنوي خوض المزيد من التجارب في الحقل الدراسي الخاص بعلم الطيران، حيث تأمل أن تكمل دراسة الماجستير قريبًا، وأن تصبح ناشطة في مجال حقوق الإنسان، لتترك بصمة لها في الحياة، وتمد يد العون لكل المحتاجين على هذه الأرض.

 

المصدر : بنفسج