الوجوه التي لا أعرفها !!

بقلم / يوسف كحيل

أحقاً تريد أن تستمع لقصتي؟ ماذا لو لم تكن سوى مأساة إغريقية كاملة, لم أكتب تفاصيلها أنا, بل..القدر. كان هو المؤلف والبطل في آن واحد, ولم نكن سوى ممثلين سيئين لفصول القصة التي دفعتنا الأقدار دفعا لأداءها,  تهرب الكلمات مني وتختلط الحروف بأصوات الصراخ ونظرات الهلع وتنطبع على مخيلتي صوراً مجمدة لوجوه مرعوبة تحاول أن تتشبث بأهداب الحياة, أنظر يمنة ويسرًة وأرى حولي عشرات الوجوه التي لا أعرفها وعلى الرغم من أن الأجساد متلاصقة بسبب ازدحام القارب وجشع المهربين إلا أنك تشعر بعشرات الأميال التي تفصلك عنهم, ثقافةً وروحاً. كلنا نلقي بأجسادنا وخيباتنا على قارب مطاطي مملوء بالأمل الخائن, لكل منهم قصة مع وطنه الذي بات يضيق عليهم فيلفظهم كما يلفظ البحر موتاه, وأحدث نفسي, أتكون غزة, البريئة مثل طفلة والحنون كأم , قد وصلت لمرحلة تأكل فيها أبنائها؟ وتؤلمني الإجابة وتخيفيني في آن,  يهبط الليل علينا ضيفا ثقيلا تشتد معه الرياح الباردة وسط هذه الصحراء من الماء, وأشعر بوخزات البرد القارصة وهي تقرص جسدي الصغير, على الرغم من أن القارب مزدحم بأطنان اللحم البشري التي ضاقت بها أربعة أركان الأرض فأصبحت تبحث الآن عن مأوى صغير ترمي عليها أجسادها المرهقة.

تزداد عتمة الليل ,و في هذا المكان الموحش ليس ثمة من يشير إلى أن حياة تنبض في المكان. في وسط البحر وجبال من الماء تتحرك من تحتنا وتمتد كصحراء لا نهاية لها وكنت كلما تذكرت هذه الصورة بالذات حركت رأسي يميناُ ويساراً كأنما أنفض هذه الصورة عن مخيلتي, وأبعد هذه الحقيقة المخيفة: لسنا أكثر من ورقة شجر تطوحها أوراق الخريف, كل ما أتمناه في هذه الليلة النابحة هو مكان صغير, أريح جسدي عليه لفرط التعب والإرهاق الذي مررت به من ساعات الصباح وكأس شاي ألف يدي عليه ليمنحني شيئاً من الدفء.

 


شباب ونساء وأطفال, كلهم يبحثون عن حياة أفضل وينتظرون على أحر من الجمر اللحظة التي سيقطعون فيها الحبل السري الذي يربطهم بأوطانهم وتخطر ببالي مقولة قرأتها من ألف عام وهي أن الوطن ليس فندقا نرحل منه عندما تسوء الخدمة .وجوه و وجوه كثيرة أغلبها كالحة, وأصوات ولغات لا أفهم منها شيئاً كأنما حضر جسدي فقط لهذا القارب أما روحي بقت في الوطن والرجل الذي يجلس بجاني يضغط علي بجسده الضخم فاضطر للإنكماش على نفسي. وفجأة يستيقظ الحنين في داخلي وأشعر به يتسلل عبر مسامات جسدي كله وتسحبني الذكريات شيئا فشئيا لمدينة أخرى تتربع على بحرها بشموخ لا يطال. ألم أهرب منها؟ لماذا تلحقني؟ تراني كنت أخدع نفسي عندما كنت أقول أني سأرحل لمدينة أخرى أجمل من غزة ولبحر أخر ولمكان أفضل من مكاني, لم أدر أن غزة ستتبعني لكل مكان وفي الشوارع نفسها سوف أهيم للأبد ,أحقا يستطيع الانسان أن يتخلص من جذوره وماضيه, لماذا عندما ترى الشخص الفاقد للذاكرة يعصر نفسه محاولا تذكر ولو لمحة عن ماضيه وهويته؟ ألأنه يدرك أن ماضيه هو هويته وتراه يكتشف فجأة أن لا هوية له دون ماضيه.

كانت حساباتي مخطئة إذن, ليس ثمة مهرب وغزة تعود إلي الليلة كما كل ليلة وتهجم علي من كل ناحية,تعود إلي بشاطئها الهادئ وأشعة الشمس تتراقص على موجاته في إنعكاس خاص أعد ليبهرك أنت لا أحد غيرك, تعود إلي بسهرات أناسها الطيبين وبضحكاتهم الطويلة كأن لا هم يجثو على صدر المدينة التي لم تقصف وتدمر أي مدينة عربية مثلها, أراها بالألوان الزاهية التي تتراقص على ثوب جدتي وأراها بخطوات رجالها وهم ذاهبون للصلاة بمساجدها, أراها في عيون طفل صغير وفي ضفائر طفلة أخرى ,أراها في خطوات أطفال مشاكين وهم يركضون خلف قطة ثم ينجحون بالإمساك بها, تأتيني الليلة حاملة حبات البرتقال وكأنها شموس صغيرة تضيء عالمنا , كم أشعر بدفء مدينتي رغم بعدها عني مئات الأميال وكم أشعر بالبرد والخوف وأنا محشور في حيز صغير في القبر الأبيض المتوسط؟و أفكر حقا إن كان فعلا بإمكان المرء إن ينفصل عن وطنه.

 


وطننا الذي استحال إلى جزء منا يعيش داخل أحشائنا كما يعيش الجنين داخل رحم أمه, ألم نشرب من ماءه ونأكل من خيرات أرضه؟ غارق في ذكرياتي أنا لو لا صوت زعيق عال من احد الأفارقة على القارب يوجهه لشخص اخر, أصوات حولي وهمهمات لا افهم منها شيئا لكن شيء واحد افهمه بشدة هو: خوفهم , الخوف له هسيس مثل هسيس الأفاعي. وفي لتك الحشود ينتقل بسرعة خيالية بين الناس يكفي أن يشعر به واحد ليمرره للأخرين أعادني صوته للقارب بعد أن غادرته بمخيلتي لمئات الأميال, يرتفع القارب بفعل موجة عالية فترتفع معه القلوب من أماكنها وشهقات الخوف وابتهالات سرية بأن تمضي هذه الليلة على "خير" لكن ماذا لو كان القدر "جيمسبوندي" المزاج هذه الليلة؟ ما دام جسدي قد حشر بين هذه الأجساد ولم أستطع الهرب بت لأحاول أن أهرب بخيالي على الأقل.

تشتد الرياح فجأة و تعوي مثل ذئب جائع, يرتفع الموج فيرتفع معه القارب ثم يهبط فجأة فنشعر به وكأنه قد اصطدم بشيء ما. بحر من الظلام فوقنا وبحر آخر تحتنا, والقارب يترنح كثمل. تشتد الرياح أكثر فترتفع الأكف للسماء وتجود الأعين بالبكاء يسيطر التوتر على الجميع فتتوسع حدقات العيون كمن يستعد لإستقبال الموت بعد لحظات, وتتعالى الأصوات مذبوحة تطلب العون والمساعدة من أشخاص افتراضيين لا وجود لهم. ثم فجأة ترتفع الأعين للسماء كأنما لمح أحدهم طائرة تعبر فوق البحر, فيبدأ الركاب بالتهليل والتلويح بالأيدي لكن وكما تقول أغنية لبنانية قديمة "لا تندهي.. ما في حدا" تكمل الطائرة, إن كانت فعلا كذلك , مسارها ونكمل نحن طريقنا المفضي للموت...