لعلَ إسقاط الطائرة الإسرائيلية من قِبَل النظام السوري بصواريخ بدائية مقارنة بمنظومة الجو الإسرائيلية المتفوقة هو صفعة كبيرة للاحتلال الإسرائيلي الذي حاول بشتى الطرق والأشكال إخفاء فشله أمام الرأي العام الإسرائيلي خاصة والعربي عامة، حيث استيقظنا على تسارع الصحف والقنوات الإخبارية في نقل صور وفيديوهات حية لمكان تحطم طائرة الـ F 16 بشكل كامل بعد أن نجحَ طياراها في القفز من مقعد الطائرة قبل سقوطها والنزول بشكل آمن داخل الحدود الفلسطينية المحتلة.

وصرحت بعض الوكالات الإخبارية الإسرائيلية، نقلا عن تصريحات الجيش، أن أحد الطيارين حالته غير مستقرة وأنهما يتلقيان العلاج في أحد مشافي حيفا بعد أن تم نقلهم جوا بواسطة مروحية، الأمر الذي استدعى إعلان اجتماع مغلق في الكابينت بشكل فوري لتدارك الأوضاع ودراستها وتحديد آلية التعامل مع الموقف وكيفية الرد، وفي الجهة المقابلة على الساحة السورية واللبنانية كانت هناك حالة تأهب كاملة وتهديدات متبادلة بين محور المقاومة المشتركة وإسرائيل في حال إقدام أي طرف على ارتكاب أي حماقة بالتصعيد، وعلى الساحة الإيرانية نفت إيران وجود أي طائرة إيرانية قبل إسقاط النظام السوري للطائرة الإسرائيلية على الحدود الفلسطينية المحتلة، حيث كان الاحتلال في وقتٍ سابق قد أعلنَ أن هناك طائرة إيرانية من دون طيار كانت متواجدة على الحدود الشمالية.

أما على الساحة الفلسطينية فقد أعلن الناطق العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام أبو عبيدة في بيان عسكري عن رفع حالة التأهب في صفوف المجاهدين نظرا لتوتر الأوضاع شمال فلسطين المحتلة، وتحسبا لقيام الاحتلال بالتصعيد على قطاع غزة لفشله في الرد على حادثة تحطم الطائرة حتى اللحظة.

وهنا تستدعينا التساؤلات والتخمينات، هل فعلا قطاعُ غزة يشارف على انفجار جديد في الفترة القليلة المقبلة؟ ما هي تداعيات هذا الانفجار وما مدى فاعليته وكيف ستكون المواجهة في ظل اشتراك لمحاور المقاومة في الجبهة الشمالية والجنوبية؟ وهل ستشارك المقاومة الفلسطينية الحرب الإسرائيلية في حال اندلاعها مع الجبهة السورية أو اللبنانية والعكس؟ وما هو دور إيران، تركيا، وروسيا؟ وكيف ينظر الاحتلال لمفهوم الردع والانسحاب؟!

قطاعُ غزة اليوم لم يعد كسابق أوانه، حيث أصبح هذا القطاع عبارة عن قنبلة مؤقتة كبيرة تَحسِبُ ساعاتها ودقائقها لتنفجر في وجه الاحتلال الإسرائيلي بعد ما حل على القطاع من حصار وشلل مطبق على كافة مجاري الحياة الأساسية والثانوية، لتطول النسبة 83% من أهالي هذا القطاع الذي لا ينضح إناؤه بأي استشارات أو حلول للكوارث الجمة التي تتوالى، حيث باتت الأوضاع أقرب من أي وقت مضى إلى "انفجار كبير" قادم، في غياب أي محاولة لإغاثة هذا القطاع الذي تهتك اقتصاده وهوى بحصاره ضاربا الأحلام في غد أفضل عرض الحائط.

في حالة اندلاع مواجهة في قطاع غزة مع الاحتلال الإسرائيلي، فإن شاكلة الحرب في الأيام الأولى ستتخذُ صورة المباغتة والمفاجأة ، فالتطور الكبير في المنظومة الصاروخية والاستخباراتية لدى المقاومة الفلسطينية بلغ أضعافا مضاعفة منذُ نهاية حرب عام 2014، الأمر الذي بات يشكلُ فارقا في الميدان وعاملا استراتيجيا مؤثرا على أي قرار سياسي يتخذُ صورة حرب لدى الإسرائيليين.

وبالنسبة لشن إسرائيل الحرب على كافة الجبهات، فهذا احتمال ضعيف جدا ولا يمكن حدوثه، فإسرائيل اليوم ليست قادرة على استيعاب كل هذه الجبهات ومواجهتها "أي الجبهة السورية واللبنانية والفلسطينية" في آن واحد. إسرائيل اليوم تفكر في سياسة الاستفراد بكل جبهة على حدة، فهي تعلم أن أي جبهة مشتعلة ستفتح عليها مزيدا من الجبهات وهي محاولة خاسرة بالتالي لها، بل وهزيمة تربك جميع حساباتها وسياساتها وانتهاء لمفهومها السيادي كفاعل في الشرق الأوسط.

حزب الله اليوم يمتلك قرابة 130 ألف صاروخ، حسب التقديرات الإسرائيلية في الفترة ما بين انتهاء حرب تموز عام 2006 حتى عام 2014 والتي قد يصل مداها إلى مئات الكيلومترات، بالإضافة إلى مجموعة من الصواريخ البالستية الإيرانية والسورية التي تستطيع ضرب أي هدف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما أن النظام السوري يمتلك الآلاف من الصواريخ الروسية والمعدات التقنية الحديثة التي تعمل إسرائيل على تداركها عبر التملص السياسي من الموقف تجنبا لأي احتكاك جديد قد يمزق أسطورة الهولاكو الإسرائيلية أمام العالم.

لا شك أن إسرائيل تحاول نقل المعركة خارج حدودها وتحرص على أن تكون الأراضي السورية هي نقطة الصفر لها وهو ليس خيارا جديدا، بل هو ما صرَّح به العديد من المحللين الإسرائيليين وتطرق له بعض قادة الاحتلال ولكن بشكل مُبَطن وغير شفاف، فاليوم إسرائيل تتفاعل في إطار رؤيتها للموقف أن المكان الأنسب لعملية عسكرية مع الجبهات الشمالية هو الأراضي السورية فهي خصبة أكثر، وهي الأكثر احتمالا من غيرها، كما ييمكن للتعزيزات الأميركية التي ستساعدها في جولتها أن تَحُول دون التأثير على المصالح الإسرائيلية في أي منطقة أخرى وتعطيها مرونة أكثر في المناورة والتجهيز، وهنا سيتساءل البعض هل سنرى تعزيزات أميركية على أرض الواقع وبشكل علني في المواجهة المقبلة؟ نعم وبكل تأكيد ستكون الحرب بلواء إسرائيلي وراية أميركية وستكون هذه الجولة قصيرة نسبيا تنتهي بتحقيق بنك الأهداف الإسرائيلية المعد مسبقا.

حقيقة أن إيران ستقف بكل قوتها أمام أي جولة إسرائيلية على إحدى الجبهات الشمالية أمر لا يمكن إخفاؤه، فالكل باتَ يعلم ما تضفيه السياسة الإيرانية الداعمة للنظام السوري وحزب الله في جنوب لبنان من تحالف مشترك، وعلى الرغم من أن إيران ستكون بمثابة الظل الخفي لهذه الحرب نظرا لأنها تريد إبعاد صورتها كفاعل حرب مؤثر، وحتى لا تفتح مجالا للأمريكان في استغلال الموقف لشن عدة هجمات عليها، خصوصا، أنها باتت تعلم أن سياساتها الأخيرة بدأت تشعلُ النار في المنطقة، ونظرة الولايات المتحدة الأميركية إلى العقوبات التي لم تفلح أو تؤثر في كبح إيران أو إضعافها سيكون بمثابة فاتح لشهيتها في ضرب العمق الإيراني، كونه الحل الوحيد المتبقي لتوقف إيران العبث في الشرق الأوسط.

ولكن بطبيعة الحال سنجد أن إيران بدلا من ذلك ستقوم بدعم الطرف السوري واللبناني بكل ما يحتاجه من مال وعتاد، وفي ذات الوقت أستبعد أن نجد صورة لجيش نظامي يحمل الراية الإيرانية في حال اندلاع المواجهة، حيثُ سيبقى التلويح بدخولها ورقة ثبات على موقف المقاومة لكبح التدخلات الخارجية الأميركية بشكل أو بآخر. وروسيا أيضا لها مصالحها في سوريا والتي ستقف بمثابة السد أمام التدخلات الأميركية لمساعدة إسرائيل على أرض سوريا.

أما بالنسبة إلى تركيا، فهناك تضاد عكسي في تقاطع المصالح بينها وبين المصالح السياسية الروسية والإيرانية في مفهوم المصلحة القومية، ولكن سيكون الإزعاج الذي يسببه الأكراد لها في سوريا دافعا أساسيا للمشاركة في المعركة أمام نظيرتها الأميركية إذا ما شاركت في هذه الجولة، والتي ستحاول فيها الولايات المتحدة الأميركية دعم الأكراد ضد الجبهات الشمالية والتي تؤثر على مصالح تركيا وتهدد سيادتها.

لعل اتخاذ إسرائيل هجوما مضادا في الفترة الحالية والتدخلات التي ستقوم بها مقاتلاتها الحربية على الأراضي السورية بقصف أهداف بين الفينة والأخرى هو بمثابة إعلان حالة حرب بشكل مباشر، وإسرائيل تعي ذلك جيدا ولن تتورط وتدخلها، ولذلك سنجدها تكتفي بالتهديد وتقديم الشكاوى في المحافل الدولية لتصدير موقفها كمظلوم أمام المجتمع الدولي إلى حين حصولها على الضوء الأخضر من دونالد ترمب لبدء الهجوم بغطاء أميركي، ولا أستبعد أن يكون دوليا. وأيضا الأمر الثاني الذي لا يقلُ أهمية هو أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية غير مستعدة بعد لاستقبال جولة جديدة، والذي بطبيعة الحال يعطي هذه الجولة فترة من الزمن لحين اكتمال أضلاعها.