هل تدرك فتح وحماس أن فلسطين محتلة؟

الساحة – متابعات

على مدى سنوات وفتح وحماس تشغلان الشعب الفلسطيني بمشاكلهما البينية وتنشغل الحركتان بحوارات ونقاشات وسفريات بحثا عن مصالحة ربما لا يريدها الطرفان. لقد شغلت الحركتان الشعب الفلسطيني إلى درجة أن الشعب قد قرف من أخبار المصالحة وأخذ يقول إن شقاقهما أفضل للشعب من اتفاقهما، ولتذهب الفصائل إلى حيث ألقت.

ربما لا تعي فتح وحماس أن فلسطين محتلة، ومن الضروري أن نخبرهما بذلك، وأن نؤكد لهما أن بحثنا عن وطننا أهم من كل نشاطاتهما التصالحية التي تضر ولا تنفع. في كل مرة يقوم الإعلام بتضخيم أهمية لقاء طرفي النزاع الداخلي الفلسطيني، ويمنّي الناس أن الوفاق قادم، وأن هذه المرة ليست كالمرات السابقة. وبعد حين يزف الإعلام للناس بشرى التوصل إلى اتفاق، وأن تنفيذ ما اتفق عليه قادم. يتفاءل الناس ويرتاحون ويظنون أن خيرا ما قادم على فلسطين. وكنت دائما الوحيد الذي يخالف الزفة ويقول للناس ألا يطمئنوا لوسائل الإعلام لأن المصالحة لن تتم. وكان الإعلاميون الذين يجرون معي مقابلات يقولون لي إنني متشائم. وأنا أقول إنني آخر من يتشاءم، لكنني أقرأ الأمور وفق جدلية علمية لا يقرأها الإعلام. وفعلا، لا يكاد يمضي شهر على الاتفاق المعلن حتى تشتعل المشاجرات والمشاحنات من جديد. ودائِما أقول إن الأوضاع الفلسطينية لن تستقيم مع اتفاق أوسلو. هذا ما تم ترديده منذ توقيع اتفاق أوسلو. الاتفاق بحد ذاته يحمل في داخله الصراع الداخلي الفلسطيني، وتطبيقه لا يمكن إلا أن يؤدي إلى الاقتتال الداخلي.

طبعا يقوم كل طرف من طرفي النزاع بالرد بالمثل على إجراءات الطرف الآخر. تقوم السلطة الفلسطينية في رام الله باتخاذ إجراءات ضد عناصر حماس، فترد حماس بالمثل في غزة. وطبعا أهل أوسلو هم المدانون أولا لأن تطبيقهم للاتفاق لا يمكن إلا أن يتضمن اعتداءات على عناصر الفصائل الأخرى وعلى الناس عموما. لكن ملاحقة إجراءاتهم من قبل حماس يشكل إدانة ثانيا لأن شباب فتح في غزة يؤخذون بجريرة أعمال رام الله. العدالة تقتضي ترسيخ حرية التعبير والرأي والاحتفال، وإذا كانت رام الله لا تحترم حرية الرأي والتعبير ولا تحترم حرية الفصائل في إقامة المهرجانات الضارة للفصيل نفسه، فإن على حماس ألا تمارس ذات الممارسات. ما يجب أن تهتم به حماس هو العدالة بين الناس، وأن تقبل للفصائل ما تقبل لنفسها. الممارسات المثلية تلحق الضرر بشعبية حماس في غزة، وتضر بصورة الإسلام الذي يصر دائما على العدل بين الناس. وأما رام الله فمصيبتها أنها ترى الأضرار التي جرها اتفاق أوسلو على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ولا تتراجع عنه إلى درجة أن عباس اعتبر التنسيق الأمني مع الصهاينة مقدسا. وفي النهاية نحن الشعب ضعنا بين إجراءات وإجراءات مضادة وكلها قمعية. ومن يمارس القمع لا يريد استعادة الحقوق الوطنية الثابتة.

المهم أن الطرفين يجدان الآن في صفقة القرن ممسحة للتعلق بها لمسح ما يقومان به من إجراءات. كل طرف يتهم الآخر أنه يتآمر من أجل تمرير صفقة القرن، وأن كل ما يقوم به الطرف الآخر مخطط له مسبقا من أجل تهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ صفقة القرن، علما أن الطرفين لا يعرفان بنود صفقة القرن.

ولكي يرتاح الطرفات، أقول لهما إن ما تقومان به حتى لو كان بريئا وصادقا وخارج دائرة التآمر، وهو ليس كذلك، يخدم صفقة القرن. ما تمارسه الحركتان ضد الناس في الضفة وغزة يخدم صفقة القرن فعلا لأن في ذلك إضعافا للشعب الفلسطيني، وكلما ضعف الشعب الفلسطيني، أصبحت إمكانية تنفيذ صفقة القرن أكثر يسرا وسهولة. دائما ننفذ مخططات أعدائنا من خلال خلافاتنا القبلية والفصائلية ومن خلال ضعفنا وتلهينا بتوافه الأمور وصغائرها. هم يتمكنون من رقابنا لأننا نحن لا نحافظ على رقابنا شامخة إلى الأعلى. نحن مصيبة أنفسنا، ومن ظن أنه هو الذي يحمل لواء التحرير وحده، عليه أن يراجع نفسه وأن ينظر أسفل قدميه ليرى لواء التحرير قد تمرغ بالوحل.

والمؤسف أن عباس يستمر باتخاذ إجراءات ضد قطاع غزة تمزق ولا تلم، تباعد ولا تقرب. إنه لا يتوقف عن تعميق الخلافات والصراعات. اتخذ إجراءات ضد قطاع غزة، ثم عقد مجلسا مركزيا بدون توافق فلسطيني، واستتبع بمجلس وطني فلسطين بدون توافق فلسطيني، ثم حل المجلس التشريعي وأبقى نفسه، ثم سحب موظفيه من معابر غزة. لو كان عباس رجل دولة لما أقدم على أي خطوة من كل هذا. والمؤسف أيضا أن حماس ترد على إجراءاته. والمطلوب منها أن لا تساهم بإجراءات تعزز ما يريد أن يصل إليه.

فقط المقاومة في غزة هي عزاؤنا الوحيد. لقد تمكنت هذه المقاومة المباركة من رقاب الصهاينة وصدت عدوان جيشهم في أربع حروب متتالة، وإذا كان لنا من بشائر، فإنها في المقاومة الفلسطينية الشامخة التي تفتح أمامنا آفاق المستقبل، والتي حتما ستوحد الشعب الفلسطيني.

بقلم – عبد الستار قاسم -اكاديمي وكاتب فلسطيني

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “الساحة الإخباري”