عائلات على خط النـ ـار في غزة.. “رعـ ـبٌ وحـ ـذر”

الساحة – قسم المتابعة

على صوت الرصـ ـاص يستيقظون وينامون ويقضون شؤون حياتهم، متوقعين المـ ـوت في كل لحظةٍ برصـ ـاص الجنود الذين يتمركزون خلف السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة. الحياة هنا تشتدُّ صعوبتها كلّما تدهـ ـورت الأوضاع الأمنية في غزة، لكنها في أفضل الحالات ليست مستقرة ولا آمنة.

ابتسام أبو منديل (60 عامًا)، مطلقة وأم لـ6 أبناء تعيش معهم في المنطقة الحدودية شرق دير البلح منذ سبع سنوات؛ في بيتٍ متـ ـهتكٍ لعدم استطاعتها دفع إيجار المنزل الذي تركته قبل انتقالها إلى “خط النـ ـار”.

تصف ابتسام حياتها قائلة: “هنا الحياة جحـ ـيم. لا أستطيع أن أنام للحظة خـ ـوفًا على بناتي وأبنائي، حيث يطلق الاحتلال النـ ـار عشوائيًا. وفي كل مرة أسمع صوت إطلاق النـ ـار أهرب أنا وأبنائي الى منطقة أكثر أمانًا حتى يتوقف إطلاق النـ ـار وأعود مرة أخرى، وهكذا حياتي معهم كرٌ وفرٌ، ولا أعلم ماذا تخبئ لي الأيام إذا استمر الحال هكذا”.

هذا الخـ ـوف لم يأت من فراغ، ففي جولة التصعيد الأخيرة العام الماضي، تعرض منزلها للقصـ ـف من طائرة حـ ـربية، إضافة لقـ ـذيفة من دبـ ـابة. تقول: “ابنتيَّ صباح ودنيا كانتا نائمتين في الغرفة، وفجأة أطلق الصـ ـاروخ نحونا وأصـ ـيبتا. خرجنا نصـ ـرخ في الشارع ولم نجد إسعافًا لكي ينقذنا لأنهم يعتبرونها منقطة حدودية وخ، ،طرة جدًا، حتى أنقذنا الشباب في المنطقة. دمـ ـاء ابنتي أغرقت المكان كله، وأحمد الله أنها لازالت على قيد الحياة”.

لا يمضي اليوم في هذه المنطقة بشكل طبيعي، بل محفوفًا بالترقب والخوف والحذر. فالعائلات هنا تعتمد على النار في التدفئة وتحضير الغذاء بما فيه الخبز، لكن هذا مُقيدٌ بمواعيد محددة، فإذا حل المساء توقفت الحياة في المنطقة بشكل كامل.

تقول ابتسام: “كل يوم أصحو باكرًا من أجل تجهيز الأكل لأبنائي، فأنا لا أستطيع إشعال النار في المساء، وإذا احتاج الطعام للتسخين في وقتٍ متأخرٍ من المساء يُجبر أبنائي على أكله باردًا، لأن إشعال النار يعني حالة ارتباكٍ بالنسبة للاحتلال فيطلق النار نحونا فورًا”.

تضيف، “جميعنا نجلس في مكان نومنا ولا نتحرك، فلا أقبل أن يخرج أحدٌ من أبنائي إلى منطقة البلد وسط مدينة دير البلح، لأن الجنود إذا شعروا بحركة أشخاصٍ يمشون في المنطقة يُطلقون النار نحوهم، وأنا لا أريد أن أخسر أحدًا من أبنائي. أعلم بأن هذا الوضع صعبٌ على شبابٍ يريدون أخذ حريتهم في الحركة والتنقل، ولكن هذه حياتنا التي كُتبت علينا ولا يوجد بديلٌ لذلك”.

جارتها أحلام الغولة تصف الحياة هنا بأنها “صعبة جدًا ومرعبة”، لكنها لا تجد بديلاً أفضل يُمكن الذهاب إليه، مضيفة، “نعلم أنه في أي وقتٍ سنفقد بيت أحدنا، أو يستشهد أحدنا”.

في هذه المنطقة، استُشهد الأطفال الثلاثة خالد أبو سعيد، عبد الحميد أبو ظاهر، محمد السطري، في شهر تشرين أول/أكتوبر 2018، عندما أطلق جيش الاحتلال الرصاص عليهم بينما كانوا يلعبون.

سلوى أبو سعيد (45 عامًا) والدة الشهيد خالد تقول: “نحن منذ أن ولدنا نعيش في هذه المنطقة، وشهدنا العديد من الويلات. كان لجيش الاحتلال موقعٌ عسكريٌ عند تلة 86، وكانت الأحداث ساخنة هنا إلى أن تطورت لاجتياحاتٍ بريةٍ وغاراتٍ جويةٍ، فأصبحت أكثر ألمًا وصعوبة علينا. عائلتي كلها فقدت بيوتها بشكل متكرر، واستشهد أخي في هذه المنطقة قبل عشر سنوات. تعودنا على الحزن والألم بشكل يومي”.

فقدت سلوى منزلها في حرب 2014، وعاشت في بيتٍ من “الزينكو” لأربع سنواتٍ حتى إعادة إعمار بيتها من جديد، لكن قبل أن تفرح ببيتها فقدت طفلها خالد. تقول: “لم أشعر بالراحة والفرحة في بيتي، فما إن تسلمناه حتى فتحت فيه بيت عزاءٍ لطفلي. هذا هو حالنا على الحدود”.

تتوقع سلوى أن لا يكون طفلها خالد آخر من تفقدهم من عائلتها، ولذلك فهي تتفقدهم باستمرار وتراقب تحركاتهم، وتحاول منعهم من مغادرة المنزل خوفًا من أن يُباغتهم رصاص الاحتلال، دون أن تنسى أنها عندما غفلت عينها عن طفلها خالد، غادر المنزل فكانت نهايته.

تروي ما حدث قائلة: “عندما عاد خالد من المدرسة جلس لكي يدرس، لكنه لم ينهِ دراسته بشكلٍ كاملٍ. قال لي إنه يريد أن يجلس أمام الحاسوب ويكمل دراسته غدًا، ولكن عندما افتقدته لم أجده في البيت، وانتظرته إلى حين جاءني خبر استشهاده”.

يعتمد سكان هذه المنطقة على الزراعة وتربية الأغنام، لكن حتى مصدر رزقهم الوحيد يُهدد حياتهم، فالقليل من المزارعين يستطيعون التوجه لزراعة أراضيهم المجاورة للسياج الفاصل. تُبين سلوى أن زوجها يرفض الذهاب لأرضه خوفًا من الرصاص، لكن ابنها خالد كان يذهب مع عمه الذي كان يُغامر بالذهاب إلى أرضه واضعًا روحه على كفّه لعدم وجود مصدرٍ آخر يُنفق منه على عائلته”.

يعود هذا الخوف إلى كون المزارعين هدفًا يوميًا لجنود الاحتلال حتى في فترات الهدوء النسبي، وهنا تُشير سلوى إلى جارهم الذي ذهب لإغلاق المياه في أرضه فأطلق جيش الاحتلال عليه قذيفة أنهت حياته، متسائلة، “ما هو ذنبه؟ ماذا فعل لهم؟ كان في أرضه من أجل رزقه ولقمة عيشه”.

المصدر: رويدا عامر – ألترا فلسطين