رحلة السفر من غزة إلى مصر بالتفاصيل

الساحة – قسم المتابعة

هذه شهادتي عن سفري من غزّة/ فلسطين إلى القاهرة/ مصر صيف 2018

وُلدت في غزة، وعشت كل واقعها، لكن السنوات الأخيرة، كانت الأسوأ. الناس هنا يعيشون مأساة مختلفة، ويبحثون عن بطل من ورق ليمنحوه الأمان والكرامة.

بدأت حكايتي التي سأكتبها هنا منذ حاولت ممارسة حقي بالسفر كإنسان والخروج من قفصي (غزة) إلى العالم. بعد محاولات شاقة حصلت على تأشيرة إلى دولة عربية، لكن لا مطار ولا ميناء في غزة، والطريق الوحيد هو معبر رفح باتجاه مطار القاهرة، وفي الأول من رمضان (أيار/ مايو 2018)، ذهبت لتسجيل اسمي في كشوف المسافرين. توجّهت إلى ما يعرف بـ “مجمع الوزارة – أبو خضرة في الرمال” مقابل السرايا، فقالوا لي إن التسجيل عبر موقع الوزارة الإلكتروني.

تسجّلت على الموقع ومرّت الأيام من دون أن أسمع شيئاً، وبعدما يئست، أخبرني جميع الأصدقاء أن من يريد السفر من غزة، عليه أن يدفع ما يسمّى (تنسيق للطرف المصري) أي “رشوة”، وأن ذلك يتم بواسطة الطرف الفلسطيني، وأن هناك حافلة خاصة لفئة التنسيق تخرج يومياً. والمبلغ ألف و400 دولار وما فوق، ما يضمن لك الوصول إلى “معبر رفح”. وجميع الفلسطينيين الداخلين في “لعبة التنسيق” يدّعون أن مبالغ الرشوة كلّها للطرف المصري، لكن عليك ألا تصدّق كل ما يقال.

معبر خان يونس

دفعت ألف و400 دولار مقدماً، وقيل لي إن بإمكاني السفر بعد يومين. لكن مرّ يومان، ومرّ أسبوع، من دون جدوى، فشممت رائحة نصب. طلبت أن أسترد المبلغ، فاتّصلت بالرجل الوسيط، فقال لي عليك أن تتوجّه الآن إلى دوار النصيرات في وسط قطاع غزة وسيأتي إليك من يعيد لك المبلغ، فانطلقت ووقفت حيث طلب، وبعد نصف ساعة قدم شخص وسيم وأبلغني اعتذاره، وقال لي إن اللواء المصري مضغوط بسبب كم المسافرين الذين دفعوا، وعلي الانتظار حتى الأسبوع المقبل إن كنت أرغب في السفر، فقلت له إنني لا أريد السفر، وأريد المبلغ، أعطاني المبلغ ثم كرّر السؤال: إن كنت تريد أن تسافر “غداً” عليك أن تدفع مبلغ ألف و700 دولار، وهذه المرّة لن تتأخّر فهناك سيّدة موثوق بها لها علاقة جيّدة بلواء مصري بإمكانه تسهيل أمورك غداً. رفضت الفكرة وأخذت النقود وعدت إلى بيتي مهموماً.

بعد يومين حدّثني صديقي من ماليزيا عن شخص “خارق” بالتنسيق وموثوق به وبالمبلغ ذاته (1400 دولار)، وزوّدني برقم هاتفه. اتّصلت به وأصغيت إلى صوت يتصنّع التهذيب الشديد، وطلب مني، كرجال المخابرات، أن أنتظره الساعة العاشرة صباحاً عند دوار الصاروخ في نهاية شارع الجلاء في حي الشيخ رضوان. توجّهت إلى هناك وانتظرته، حدّثني من بعيد عبر هاتفه النقال وعندما تأكّد مني، اقترب واستلم المبلغ، وقال لي: “اتّصلت بأكثر من منسّق لمساعدتك للسفر غداً بمشيئة الله، ستسافر وستشكرني، وعليك الآن انتظار مكالمتي”.

انتظرت الاتّصال، وبعد ساعتين أخبرني أن هناك ضغطاً على حافلات التنسيق بسبب كم المسافرين، وبإمكانه أن يخرجني من غزة “قريباً” بشرط عدم تحديد الوقت الزمني. رفضت الفكرة وطلبت منه أن يعيد إلي أموالي، وبذكاء أخبرته أنني أعرف من هو وأنه كان يعمل بالأمن الوطني بالسلطة القديمة. حينها أخبرني أنه سيعيد المبلغ وعلي أن أذهب إلى بيته في بيت لاهيا وأعطاني العنوان.

وعندما وصلت المكان، اتّصلت به فأخبرني أن أتقدّم باتجاه الغرب، فاتّجهت حتى وصلت بيته، فخرج ابنه الصغير وطلب مني الدخول إلى البيت فدخلت والتقيت به. حدّثني عن بطولاته الوهمية، وأخبرني أنه لا يعمل في مافيا “التنسيق”، وهو تطوّع لمساعدتي فقط من أجل صديقه الذي زوّدني باسمه. علمت من كلامه أنه يريد أن يخصم جزءاً من المبلغ، شربت فنجان القهوة غاضباً، وعندما علمت أن ما يريد خصمه لا يتجاوز الخمسين دولاراً وافقت.

ندمت على محاولتي اللّجوء إلى “الرشوة” وبدأت الاتصال بالكثير من المسؤولين الفلسطينيين، وأخبرتهم بحاجتي إلى السفر من أجل المشاركة في مؤتمر علمي، وزوّدتهم بالدعوة، وبعد مجهودات شاقة وعدوني بالمساعدة فبقيت أياماً أراقب كشوف السفر ليلاً نهاراً.

فلسطينيون ينتظرون إذن العبور من السلطات المصرية عبر معبر رفح
مرّت الأيام والأسابيع ثقيلة بعد أن طفح الكيل، وحفظت أسماء المسافرين عن ظهر قلب، وأخيراً كانت المفاجأة السعيدة حين وجدت اسمي في كشف المسافرين، بعد 3 أشهر من نيتي الأولى بالسفر، كان ذلك في آب/ أغسطس 2018، فطرت فرحاً وحمدت الله على نعمته.

أعددت الحقيبة وودّعت العائلة والأصدقاء، فلا يعرف المسافر من غزة متى يمكنه العودة. صلّيت الفجر، وحملت حقيبتي وانطلقت إلى ما يعرف بـ”صالة أبو يوسف النجار” في خان يونس. وصلت باكراً، ووجدت المئات غيري، عائلات، ونساء وأطفال، وجرحى مصابين من جرّاء القصف الاسرائيلي، كانوا مسافرين بهدف العلاج، ومن الآن سأنسى أنني فرد، وسنكون مجموعة تحاول الفكاك من القفص.

استقبلنا الباعة في المكان، ومن يحملون الحقائب (الشيالين)، وكي نجلس على مقاعد، مجرّد الجلوس، يجب أن ندفع، فدفعنا. وبعد نصف ساعة قدمت شرطة المعبر (على الجانب الفلسطيني الذي تسيطر عليه حركة حماس) وبدأوا المناداة على أسماء الحافلة الأولى، وبقدرة قادر وجدنا بعض الأفراد من خارج الكشوف تزاحم أصحاب الحق وتعتلي الحافلة. التزمنا الصمت على أمل بأن يتحقّق حلمنا بالسفر، وتسير الأمور ولا تتم معاقبتنا. بعد الانتهاء من الحافلة الأولى بدأوا سرد أسماء الكشف الثاني، وكان رقمي أربعين في الكشف الثاني، لكن الشرطي لم يلتزم بترتيب الأسماء وفق الكشف، فرفعت صوتي منبّهاً إياه، لأني أحفظ أسماء جميع المسافرين، على أمل باسترداد حقي، لكنه صرخ بي: “اكتفينا اليوم بنصف الكشف الثاني، وجاء دور حافلة التنسيقات فانصرفوا إلى بيوتكم”. دب شجار بيني وبينه لكن من دون جدوى.

أدركت أنني حرمت من السفر اليوم، فعدت إلى بيتي أجر خيباتي. وفجر اليوم التالي تكرّر المشهد ذاته. إلا أنني لم ألتزم النظام، زاحمت حتى اعتليت الحافلة، وسارت بنا إلى مدينة رفح، حيث توقّفنا عند نقطة ثانية (فلسطينية – تسيطر عليها أيضاً حماس).

بقلم: مصطفى النبيه – مخرج فلسطيني