ترويض غزّة مع إعلان نهائي لصفقة القرن

الساحة – متابعات

من شروط الصفقة عدم عودة اللاجئين من الشتات (وعددهم يصل إلى حوالى 6 ملايين فلسطيني ) وسيتم تقديم مساعدات دولية لتوطينهم في الدول التي يتواجدون فيها، وستتم مساعدة تلك الدول المضيفة للاجئين من خلال الاستثمارات وغيرها من الأدوات الاقتصادية لتحسين فرص دمجهم كما تقول التسريبات التي خرجت عن مُعدّي الصفقة

بعد مؤتمر وارسو الذي انعقد في 14/2/2019 تحت عنوان ؛الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والذي هدف بالأساس إلى اسنزاف ما تبقّى (وهو قليل في الواقع) من أموال مشيخيات الخليج عبر وَهْم إسمه ؛ شيطنة إيران مع الترويج مجدّداً لصفقة القرن بشأن القضية الفلسطينية ؛ في هذا المؤتمر وبعده أعيد الحديث مجدداً عن تلك الصفقة التي سبق وطرحها الرئيس الأميركي ؛ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 بهدف حل معضلة الصراع العربي الصهيوني بالطريقة الأميركية ، والتي تهدف بالأساس إلى الحفاظ على يهودية الدولة الصهيونية وإنهاء أي خطر أو أية حقوق فلسطينية أو عربية في فلسطين ،يبدو الآن وبعد نتائج هذا المؤتمر ،أن العام الحالي 2019 سيكون هو العام الذي ستعلن فيه أميركا التطبيق النهائي لصفقتها ،بعد أن تتم تهيئة الإطار الاقليمي والدولي لقبولها ، وبعد أن تكون قد روّضت المقاومين للصفقة وفي مقدّمها المقاومة في غزّة ،ولكن هل كل ما تتمنّاه أميركا سيتحقق ؟أم أن ثمة أرضاً و شعباً وقوي مقاومة قادرة على إفشاله ؟ دعونا نبحث القضية من جوانب مختلفة

أولا : من التسريبات الصحفية ومن الممارسات الأميركية وحلفائها الاقليميين خاصة السعودية ودول الخليج ،خلال الفترة الماضية اتضّحت بعد ملامح ما سمّي بصفقة القرن والتي يمكننا أن نلخصّها في الآتي:

-عدم التمسّك بالضرورة بحل الدولتين وأن إقامة دولة فلسطينية ستقتصر حدودها على قطاع غزّة والمناطق (أ، ب) وأجزاء من المنطقة (ج) في الضفة الغربية وفقاً لاتفاق أوسلو سيّئ الذِكر.

ومقابل هذا التنازل الفلسطيني عن الحقوق التاريخية فإن الدول المانحة وفي مقدمها دول الخليج (العربية !!)ستوفّر قرابة العشرة مليارات دولار لإقامة الدولة الفلسطينية المزعومة وبنيتها التحتية بما في ذلك مطار وميناء بحري في غزّة، واقترح أيضاً أن يكون في العريش المصرية مقابل أن تحصل مصر على أراضٍ تعويضية من إسرائيل في النقب الفلسطينية في منطقة وادي فيران، بما يساوي 720 كم هي ذاتها المساحة الممنوحة لتوسعة غزّة بعد ضمّ أراضٍ مصرية إليها مع ميناء ومطار على مياه البحر المتوسّط في العريش المصرية. ورغم الرفض الرسمي المصري والفلسطيني لهذا المقترح الخطير ،إلا أن واشنطن وتل أبيب والرياض مازالت مصرّة عليه وتحدّثت فيه ،بإستفاضة في مؤتمر وارسو اأاسبوع الماضي .

-من بنود صفقة القرن أيضاً ما أثير حول وضع القدس وقضية عودة اللاجئين وأنهما سيؤجلان لمفاوضات لاحقة قد لا تأتي أبداً.

ووفقاً للصفقة ستكون بعض ضواحي القدس الشرقية التي بلا قيمة روحية أو إستراتيجية هي عاصمة للكيان الفلسطيني المزمع ، بينما القدس بكاملها عاصمة لـ”إسرائيل”.

وستقع مناطق المقدّسات الإسلامية في القدس ضمن السيادة الإسرائيلية، على أن تترك “إدارتها” لدول إسلامية حليفة مثل الأردن وتركيا والسعودية.

ومن شروط الصفقة عدم عودة اللاجئين من الشتات (وعددهم يصل إلى حوالى 6 ملايين فلسطيني ) وسيتم تقديم مساعدات دولية لتوطينهم في الدول التي يتواجدون فيها، وستتم مساعدة تلك الدول المضيفة للاجئين من خلال الاستثمارات وغيرها من الأدوات الاقتصادية لتحسين فرص دمجهم كما تقول التسريبات التي خرجت عن مُعدّي الصفقة، وكما تؤكد التحرّكات الأميركية خلال العام الماضي وبخاصة تجاه دول الخليج التي ستتحمل وحدها في الغالب مسألة المساعدات المالية لدمج اللاجئين، ولعل في تحرّكات عرّاب الصفقة جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي ومساعده وتحالفه المعلن مع محمّد بن سلمان وليّ العهد السعودي، ما يؤكّد ذلك المنحى ،-طبعاً ثمة بنود أخرى عديدة تتصل بالأبعاد الاقليمية للصفقة وإرتباطها بالسلام والتطبيع الاقليمي خاصة بين دول الخليج الغنية وبين الكيان الصهيوني . ولكن الصفقة رغم الضغوط والمؤتمرات تواجه تحديات كبرى ، ربما تفشلها وهذا هو الأرجح.

ثانياً :غزّة هي العقبة: في تقديرنا أن المقاومة الإسلامية والوطنية في كامل ربوع فلسطين التاريخية ، وتحديداً في قطاع غزّة ورفضها لكل الصفقات والاتفاقات السابقة التي أملتها الحاجة الصهيونية للأمن والهيمنة ، تمثل الركيزة الأولى في إسقاط صفقة القرن كما هندستها وروّجتها واشنطن وتل أبيب والرياض إن شعباً عظيماً ومضحياً كالشعب الفلسطيني من المستحيل عليه أن يفرّط في أرضه وحقوقه ومقدّساته ، بل هو سيكون المعول الذي سيبدأ هدم الصفقة رغم قسوة الحصار وتخلّي ذوي القربي عنه ، ورغم محاولات ترويض غزّة والمقاومة بداخلها من خلال الدول العربية الحليفة لواشنطن ،وذلك لأن المقاومة هي قدر الشعب الواقع تحت الاحتلال وليس إختياره ، قدره أن يكون مقاوماً وأن يظل كذلك ، ورغم أن المقام هنا مقام تحليل وبحث ،إلا أن (الشعر) أحياناً يلخّص ما عجزت السياسة والاستراتيجية عنه ،هنا يحضرنا ما قاله ذات يوم الشاعر الراحل نزار قباني عن شعب غزّة وأطفالها في رائعته (إلى مجانين غزة هاشم ):

أمطرونا بطولة وشموخا واغسلونا من قبحنا إغسلونا

إن هذا العصر اليهودي وَهْم سوف ينهار لو ملكنا اليقينا

يا مجانين غزة الف أهلاً بالمجانين إن هم حررونا

إن عصر العقل السياسي ولّى من زمان فعلّمونا الجنونا.

وهو عينه ما تنبأ به الشاعر الراحل محمود درويش في قصيدته (صمت من أجل غزة ):

لن تکرّر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم

وستستمر في الانفجار

لا هو موت ولا هو انتحار ولکنه أسلوب غزّة في اعلان جدارتها بالحياة).

وظني أنه ليس فحسب أسلوب غزّة ولكنه أسلوب فلسطين كلها من البحر إلى النهر، وهو أسلوب أثبتت تجارب الصراع خلال المائة عام الماضية ، أنه غير مجدٍ معه صفقات قرن أو مؤتمرات من كامب ديفيد إلى وارسو ،فالفشل سيظل قرينها ، لسبب بسيط وعميق وهي أنها أعطت من لا يملك –أي الغزاة -ما لايستحقون ، أما من يملك ويستحق في فلسطين فهم الأجدر بالحياة لأنهم أصحاب الأرض وحتماً سينتصرون في النهاية رغم الإرهاب الأميركي والصهيوني ورغم خيانات أعراب المشرق والمغرب ،وذلك هو قانون التاريخ وحكمته والله أعلم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “الساحة الإخباري”